في الدورة الثالثة للمهرجان السنوي الذي نظمته "مؤسسة نادي الكتاب بالمغرب" بفاس تحت عنوان : "تماثلات و تمايزات في الثقافة المغربية"، كانت الغاية العلمية المراهن عليها هي النظر إلى بعض الأشكال التعبيرية في الأدب و الفن من زاوية تعلقها الوثيق بدينامية "الأنا" و "الآخر"، و ذلك باعتبار "الآخر" هذا هو الغرب تحديداً من خلال إنتاجه الأدبي و الفكري و الفني.
تنويعاً لهذا الموضوع نفسه و سعياً إلى رصد بعض تجلياته الأخرى، فإنّ الدورة الرابعة للمهرجان ستتمحور حول إشكالية ازدواج "الأنا" في الذات ب "الآخر" أو "الآخر" حين يكون هو "الأنا" لا فرق ! يتعلق الأمر بذلك الإنتاج الأدبي و الفني الذي يبدعه بعض أبناء الجالية المغربية بالخارج من الجيل الثاني و الجيل الثالث. و أغلبهم ذوو جنسية مزدوجة : فهم مغاربة بحكم أصولهم، و مواطنون فرنسيون أو بلجيكيون أو إيطاليون أو كنديون الخ. بحكم انتمائهم الجغرافي و الثقافي الفعلي إلى البلدان التي ولدوا و نشئوا و تعلموا و اشتغلوا فيها. و لذلك فإن استعارة "البين-بين"، تلك التي تجعلهم باستمرار عرضة لتجاذب قدريّ، و جوديّ و حضاريّ، بين "ذاتية" مغربية من جهة و "غيرية" غربية من جهة أخرى، تنطبق عليهم بحصر المعنى.
أما وجه الإشكالية ، فهو أن محافل "المؤسسة" الأدبية الرسمية في هذه البلدان، تلك التي تضفي الشرعية على الخيرات الرمزية، تحتكر لنفسها ما ينتجه أبناء جاليتنا في الخارج في حقول الفن و الفكر و الأدب، معتبرة إياه بكل بساطة جزء لا يتجزأ من التراث الأجنبي ! و الحال أن هذا الإنتاج يَمُتُّ أيضاً و على الخصوص بأكثر من صلة وثيقة إلى التراث المغربي، العربي و الأمازيغي و اليهودي ...
لذلك، و رَدّاً لِمَا يجدر بهذا الإنتاج من أهليّة و اعتبار، ارتأت اللجنة العلمية بمؤسسة نادي الكتاب بالمغرب أن يكون العنوان الشامل لمهرجان هذا العام هو : "الثقافة المغربية في المهجر"، استجابةً منها لواجب و ضرورة رعاية ألوان عديدة و متنوعة من الثقافة المغربية المعاصرة يتم إبداعها تحت سماوات أخرى. و بالفعل، يؤكد الإشرافُ العامُّ على هذه الظاهرة أنّ عدداً كبيراً و متزايداً من الأدباء و الفنانين ذوي الأصول المغربية، المقيمين في المنافي و المهاجر، ينتجون أشكالاً من التعبير الشعري و الروائي و القصصي و الدرامي و السينمائي و التشكيلي و الموسيقي ... هي رافد من روافد الثقافة الوطنية.
لكن الملاحظ هو أن هذه الأشكال، التي لا يَعْدَمُ بعضُها الأصالةَ و التميزَ، تعاني داخل الوطن مِنْ غيرِ قليل من الإهمال. فإذا استثينا بعض الجهود التي تبذلها كل من الوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول، المكلفة بالجالية المغربية بالخارج، و كذا وزارة الثقافة و مجلس الجالية المغربية بالخارج، من أجل التعريف بهذا الجزء المهم الثريّ مِن ثقافتنا – فإنّ المؤسسات التعليمية و كذا منظمات المجتمع المدني لا توليه الاهتمام الكافي الذي يليق به. فهو مثلاً يغيب أو يكاد عن برامج التعليم و عن مشاريع التنشيط الثقافي و السياحي الموسميّ غير الرسمي، و لا يندرج ضمن اهتمامات النقاد و الدارسين، و لا تلتفت إليه المحافل التي تكافئ منتجيه بالجوائز التقديرية أو التحفيزية، و لا يُعنى بترجمته إذا كان بلغة أخرى غير اللغة الوطنية الخ.
لجميع هذه الاعتبارات إذن، و من أجل تسليط الضوء على جوانب من هذه الظاهرة الثقافية، و كذا الاحتفاء ببعض منتجيها و تمكينهم من التواصل المباشر مع الجمهور المغربي، فإنّ فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان ستتوزع على المحاور الآتية :
عرض مسرحي، عرض سينمائي، عرض موسيقي، قراءات قصصية، قراءات شعرية، معرض تشكيلي، توقيع كتب.
يقام معرض للكتاب طيلة أيام المهرجان
و ستتميز هذه الدورة، مثل الدورات السابقة، بانعقاد ندوة علمية كبرى يتدارس فيها نقادٌ و باحثون مع بعض مبدعي الأدب المهجري موضوعَ "أدب الدياسبورا المغربية".
كما سيتمّ في افتتاح المهرجان الإعلانُ عن الفائز بجائزة فاس للإبداع المتوسطي عن العام 2012. و توزيع جوائز على الفائزين من الطلبة الجامعيين في مختلف أصناف المسابقة الأدبية.
retour